بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد و آل محمد و عجّل فرجهم يا كريم
السلام على من إتبع الهدى
احببت اليوم ان انشر هذا الموضوع الهام الذي كثر تجاهله بين العباد الا و هو سوء الخلق و كيفية علاجه او تحصين النفس منه, وايضاً
عن حسن خلق المؤمن و كيف نكتسبه
نسأل الله تعالى التوفيق
مما يجدر ذكره ان هذه المقتطفات من كتاب جامع السعادات للشيخ الجليل المولى محمد مهدي النراقي (قدس سره)
ثم إنه من الكتب المعروفة فقلّما تجد بيتاً لأسرة مؤمنة ليس فيها هذا الكتاب و يدرّس ايضاً في الحوزات العلمية.
(سوء الخلق بالمعنى الاخص )
وهو التضجر، وانقباض الوجه, وسوء الكلام، وامثال ذلك. وهو أيضاًً من نتائج الغضب، كما ان ضده اعني (حسن الخلق بالمعنى الاخص) وهو ان تلين جناحك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن ـ من نتائج الحلم، واكثر ما يطلق سوء الخلق وحسنه في الاخبار يراد به هذا المعنى ولا ريب في ان سوء الخلق مما يبعد صاحبه عن الخالق والخلق، والتجربة شاهدة بان الطباع متنفرة عن كل سيء الخلق، ويكون دائماً اضحوكة للناس ولا ينفك لحظة عن الحزن والألم، ولذا قال الصادق (ع): " من ساء خلقه عذب نفسه "، وقد يعتريه لأجله الضرر العظيم. هذا كله مع سوء عاقبته في الآخرة وادائه إلى العذاب الابدي، ولذا ورد به الذم الشديد من الشريعة قال رسول الله (ص): لما خلق الله الإيمان قال: اللهم قوني، فقواه بحسن الخلق والسخاء. ولما خلق الله الكفر قال: اللهم قوني، فقواه بالبخل وسوء الخلق". وروي انه قيل له (ص): " ان فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها. قال: لا خير فيها: هي من أهل النار ". وعنه (ص): " سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل[4]. وعنه (ص): " ان العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم ". وعنه (ص): " أبى الله لصاحب الخلق السيء بالتوبة، قيل فكيف ذاك يا رسول الله!؟ قال: " لانه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه". وقال (ص): " سوء الخلق ذنب لا يغفر". وقال الإمام جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ: " إذا خلق الله العبد في أصل الخلق كافراً لم يمت حتى يحبب الله إليه الشر، فيقرب منه. فابتلاه بالكبر والجبروت، فقسى قلبه، وساء خلقه، وغلظ وجهه، وظهر فحشه، وقل حياؤه، وكشف الله تعالى سره، وركب المحارم ولم ينزع عنها، ثم ركب معاصي الله، وابغض طاعته، ووثب على الناس لا يشبع من الخصومات، فاسألوا الله العافية واطلبوها منه ". وقال بعض الاكابر: " لئن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلى من ان يصحبني عابد سيء الخلق ".
وطرق العلاج في إزالته: ان يتذكر اولاً انه يفسد آخرته ودنياه، ويجعله ممقوتاً عند الخالق والخلق، فيعد نفسه لازالته، ثم يقدم التروي والتفكر عند كل حركة وتكلم، فيحفظ نفسه عنده ـ ولو بالتحمل والتكلف ـ من صدور سوء الخلق، ويتذكر ما ورد في مدح حسن الخلق الذي هو ضده ـ كما يأتي ـ ويواظب حتى تزول على التدريج آثاره بالكلية.
طرق اكتساب حسن الخلق
قد عرفت ان ضد هذه الرذيلة (حسن الخلق بالمعنى الاخص)، فمن معالجاتها ان يواظب عليه حتى ترتفع آثارها بالكلية. واقوى البواعث على اكتسابه والمواظبة عليه ان يتذكر ما يدل على شرافته ومدحه عقلاً ونقلاً: اما حكم العقل على مدحه فظاهر لا يحتاج إلى بيان، واما النقل فالأخبار التي وردت به اكثر من ان تحصى، ونحن نورد شطراً منها تذكره لمن أراد ان يتذكر، قال رسول الله (ص): " ما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق" وقال: " يا بني عبدالمطلب! إنكم لن تسعوا الناس باموالكم. فالقوهم بطلاقة الوجه، وحسن البشر". وقال (ص): " ان الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما ". وقال (ص): " حسن الخلق خلق الله الاعظم ". وقيل له (ص): أي المؤمنين أفضلهم ايماناً؟ قال: " أحسنهم خلقاً ". وقال (ص): " ان أحبكم إلي واقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقاً ". وقال (ص): " ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فلا يعتد بشيء من عمله: تقوى تحجزه عن محارم الله وحلم يكف به السيئة، وخلق يعيش به في الناس ". وقال (ص): ان الخلق الحسن يميت الخطيئة، كما تميت الشمس الجليد "[5] وقال (ص): " ان العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة واشرف المنازل، وانه يضعف العبادة ". وقال (ص) لأم حبيبة: " ان حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة وقال لها ـ بعد ما سألته ان المرأة يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة لا يهما هي؟ ـ: " انها لأ حسنهما خلقاً ". وقال (ص): " ان حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم"[6]. وقال (ص): " أكثر ما يلج به امتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق ". وقال (ص): " أفاضلكم أحسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً[7] الذين يألفون ويؤلفون ". وقال أمير المؤمنين (ع): " المؤمن مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ". ولا ريب في أن سيء الخلق تنفر عنه الطباع، فلا يكون مألوفاً. وقال الامام ابو جعفر الباقر ـ عليهما السلام ـ: " ان اكمل المؤمنين ايماناً احسنهم خلقاً "، وقال (ع): " اتى رجل رسول الله، فقال: يا رسول الله! اوصني فكان فيما أوصاه ان قال: (الق اخاك بوجه منبسط) " وقال الصادق (ع): " ما يقدم المؤمن على الله ـ عز وجل ـ بعمل بعد الفرائض احب إلى الله تعالى من ان يسع الناس بخلقه " وقال (ع): " البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الاعمار ". وقال (ع): " ان الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح ". وقال (ع): " ثلاث من أتى الله بواحدة منهن أوجب الله له الجنة: الانفاق من اقتار، والبشر لجميع العالم، والانصاف من نفسه ". وقال (ع): " صنايع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ويدخلان الجنة، والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان النار ".
ومن تأمل في هذه الاخبار، ورجع إلى الوجدان والتجربة، وتذكر أحوال الموصوفين بسوء الخلق وحسنه، يجد ان كل سىء الخلق بعيد من الله ومن رحمته، والناس يبغضونه ويشمئزون منه، ولذا يحرم من برهم وصلتهم، وكل حسن الخلق محبوب عند الله والناس، فلا يزال محلا لرحمة الله وفيوضاته، ومرجعاً للمؤمنين بايصال نفعه وخيره اليهم، وانجاح مقاصده ومطالبه منهم، ولذلك لم يبعث الله سبحانه نبياً إلا وأتم فيه هذه الفضيلة، بل هي أفضل صفات المرسلين واشرف اعمال الصديقين، ولذا قال الله تعالى لحبيبه مثنياً عليه ومظهراً نعمته لديه.
" وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ "[8]
ولعظم شرافته بلغ رسول الله (ص) فيه ما بلغ من غايته، وتمكن على ذروته ونهايته، حتى ورد: بينا رسول الله (ص) ذات يوم جالس في المسجد، إذ جاءت جارية لبعض الانصار وهو قائم[9] فأخذت بطرف ثوبه، فقام لها النبي (ص) فلم تقل شيئاً ولم يقل لها النبي (ص) شيئاً، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فقام لها النبي (ص) في الرابعة، وهي خلفه، فاخذت هدبة من ثوبه ثم رجعت. فقال لها الناس: فعل الله بك وفعل![10] حبست رسول الله ثلاث مرات لا تقولين له شيئاً ولا هو يقول لك شيئاً! ما كانت حاجتك إليه؟ قالت: ان لنا مريضاً فارسلني أهلي لآخذ هدبه من ثوبه يستشفي[11] بها. فلما أردت أخذها رآني فقام، استحييت ان آخذها وهو يراني، واكره أن استأمره في أخذها، فاخذتها "[12].
[4] روى هذا الحديث اصول الكافي في باب سوء الخلق عن الصادق (ع) ولكن جاء فيه "ليفسد العمل " بدل "يفسد العمل".
[5] روى هذا الحديث في الكافي في باب حسن الخلق عن أبى عبدالله الصادق (ع)، وفي نهاية ابن الاثير: في الحديث: حسن الخلق يذيت الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد ". ويذيب بمعنى يميت.
[6] هذا الحديث مروي في الكافي في باب حسن الخلق عن ابي عبدالله (ع).
[7] قال المبرد في الكامل ص3: " قوله (ص): الموطؤن اكنافاً، مثل، وحقيقته: ان التوطئة هي التذليل والتمهيد... فاراد القائل بقوله: موطأ الاكناف، ان ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذي ولاناب به موضعه.
[8] القلم، الآية: 4.
[9] قال في البحار ـ ج15 في باب حسن الخلق ص207ـ: "حال عن بعض الانصار" أي ان القائم هذا البعض صاحب الجارية لا النبي (ص).
[10] قال في البحار ـ في الموضع المتقدم ـ: " كناية عن كثرة الدعاء عليها بايذائها النبي (ص) وهذا شائع في عرف العرب والعجم".
[11] قال في البحار ـ في الموضع المذكور ص208 ـ: " في بعض النسخ ـ بل اكثرها ـ: ليستشفي".
[12] صححنا الحديث على اصول الكافي في باب حسن الخلق، وفي نسخ جامع السعادات اختلاف كثيرة عما اثبتناه، وقد جاء في اصول الكافي في صدر الحديث: "قال ابو عبدالله (ع). يابحر حسن الخلق يسر... ثم قال: ألا اخبرك بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة؟ قلت بلى! قال: بينا رسول الله... إلى آخر الحديث".
من كتاب جامع السعادات للشيخ الجليل، احد اعلام المجتهدين، المولى محمد مهدي النراقي (قدس سره)
نلتمسكم الدعاء