بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
هذا الواقعة ذكرها أحد كبار المراجع . و قد رواها عنه رجل ثقة . قال : حكي لي أحد علماء طهران حادثة جرت له .. على هذا النحو :
طرق باب دارنا يوماً رجل قد وخطه الشيب .. قائلاً لي – و اسم هذا الرجل الشيخ حسن : أريد ان أدرس العلوم و المعارف التي تدرس في الحوزة العلمية . و ينبغي أن تدرّسني في كتاب (جامع المقدمات).
أما أنا فقد كان لي من كثرة الأعمال ما يشغلني عن تدريس هذا الرجل . ثم أن التدريس في كتاب المبتدئين هذا لا يناسب شأني . و مع هذا كله وجدتني أجيبه إلى ما أراد .. و ابتدأنا درسنا فعلاً .
بمرور الأيام ألفت الشيخ حسن هذا و انبسطت إليه ، حتى غدا من الخواصّ. فكان يقضي أكثر أوقاته معي في الدار .
و حدث مرة أن كان لي شغل قد تعـّوق انجازه في إحدى دوائر الدولة أيام الحكم الملكي في إيران . فاقترح على أحدهم أن أعطيه مبلغاً من المال في مقابل تعهده بانجاز هذا الشغل . و كنت على وشك أن أوافق على هذا الأقتراح عندما قال لي الشيخ حسن : ليس في وسع هذا الشخص أن يحقق لك ما أردت . أن هذا الشغل مما لا يمكن أن يتحقق أصلاً . في حينها لم أدرك ما قصد الشيخ حسن . و قد بات واضحا ًفيما بعد – على كثرة المساعي التي بذلتها في هذا الصدد – ان الشغل لم ينجز.
في أحد الأيام .. كنت ألقي درساً عليه ، و لم أكن قد حضّرت الدرس قبل التدريس . فقال لي : لم تقرأ الدرس البارحة .. إذ انك حديث عهد بزواج جديد ، و قد أرادت زوجتك الجديدة ألا تنصرف عنها إلى المطالعة حتى تتفرغ لها أكثر ، فقامت باخفاء الكتاب في المكان الفلاني . لما أردت أن تطالع الدرس البارحة بحثت عن الكتاب فلم تجده!
يقول هذا العالم الطهراني : و لما قصدت المكان الذي ذكره الشيخ حسن و جدة الكتاب . ثم سألت زوجتي الجديدة فأقـّرت أنها قد جعلته نفس الموضع الذي دلني عليه صاحبي الشيخ.
و سألت الشيخ : كيف عرفت ذلك ؟
فقال : لي قضية لا أبوح بها لأحد ، لكني أؤثرك بها وحدك ؛ لأنك أستاذي:
كنت أعيش في إحدى القرى التابعة لبلدة مشهد – و ابي كان عالم القرية . و قبل عشرين عاماً توفى أبي .. فاجتمع رأي أهل القرية أن يجعلوا عمامة أبي على رأسي أخلفه فيهم . و ما زالوا يصرون على حتى صـّيروني عالمهم . أيامها كنت شاباً تجنح نفسي إلى هواها و أنانيتها ، و لم تطوع لي أن أقول : لا أعلم – إذا سئلت عما لا أعلم . و هكذا سلخت مدة عشرين عاماً بلا علم و لا معرفة بين هؤلاء الناس .. أحكي لهم في العقائد من عندي ، و أفتيهم من تلقاء نفسي في مسائل الحلال و الحرام و طباق ما يلائم ذوقي . و لعلي قد حكيت لهم – و لعشرات المرات – قضايا غير صحيحة و لا واقعية . و علاوة على هذا .. كنت أقبض سهم الامام (عليه السلام) من أموال الخمس ، و اتصرف به – بلا اذن شرعي .
و ما زلت على هذه السيرة .. حتى كان يوم كنت أنظر فيه على وجهي في المرآة . فعلق بصري بشيئ كان في صورتي ، جعلني أضطرب من الداخل . أن شيبا ًقد وخط شعر لحيتي ، فابيض شيئ منه . عندها أدركت أن نـُذر الشيخوخة قد لاحت في وجهي . و شعرت بالنفس اللوامة تخزني و تعنـفني ، و بالضمير يحاكمني : ترى .. إلى متى و أنت تقود هؤلاء الناس بالحيلة و الخداع و بلا معرفة و لا علم ؟!
عندها .. ما كان مني إلا قعدت على الأرض ، و قد تسلط عليّ بكاء مـرّ و نحيب حتى إذا حان وقت المساء .. مضيت إلى المسجد ، فصعدت المنبر ، و اعترفت للناس بحقيقة أمري . قلت لهم : إني كنت أفتيكم في كثير من المسائل بدون علم ، و أن جل ما عملتموه من أعمال دينية أعمال باطلة .. و لهذا فإني أعتذر إليكم و أطلب العفو منكم.
و ظن أهل القرية هؤلاء أني أقول هذا الكلام لأكسر غلواء النفس . و لكنهم إذ رأوني جاداً في كلامي جداً لا مجال معه للتواضع .. ابتدروني سـِراعاً ، و أخذوا ينهالون عليّ ضرباً و لكماً حتى أخرجوني من القرية.
و عافتـني زوجتي .. كما هجرني أبنائي ؛ لأني أمسيت مصدر عار لهم ، فاستنكفوا من الانتساب إلي . عندها يمـّمت وجهي نحو طهران ، أقطع المسافة وحدي مشياً على الأقدام. (1) .
هائماً كنت مـُصحـِراً في البرية العريضة بلا أنيس . و قد يمـّر بي اليوم و اليومان لا أذوق ماء و لا غذاء – و ما معي نقود .. حتى وافيت في نهاية الأمر إلى مشارف طهران . كنت قد ضقت ذرعاً لما اشتمل عليّ من الغم و لما أكابده من عسر و بؤس.
عندها جأرت إلى الله تعالى أستجير.
قلت : ربـّي .. أما أن تأخذني من هذه الدنيا ، و أمّا أن تفرج عنـّي . إنـّما فعلت هذا في سبيلك .. فخذ بيـدي ، و اجعلني من انصارك ، و اعف عن جرمي و جنايتي !
و إذا أنا كذلك .. و إذا بي أرى سيداً جليلاً ذا هيبة يمشي إلى جانبي في البرية ، فأدهشني مرآه في البداية : ترى .. كيف ظهر إلى جواري فجأة . و لا أكتم أن شيئاً من الخوف منه قد خامرني في ذلك الوقت ، بيد أني أطمأننت إليه لماناداني باسمي في غاية الرقة و المؤانسة ، قائلاً لي : لا تحزن ، إن الله يعفو عنك . و قال كلمات أخرى في هذا المعنى جعلتني كمن أنطلق دفعة واحدة من عـِقال كان يكبله .. و وقر في قلبي أن هذا الرجل قد جاء يعنـيني.
ثم أن هذا السيد قال لي : تذهب صباح غد إلى مدرسة (الميرزا محمد الوزير) في طهران ، و تقول لمتولي شؤون المدرسة : الغرفة الفلانية التي فرغت اليوم ينبغي أن تحولها إلى أسكن فيها . و لسوف يحـّول إليك الغرفة للسكنى . و اذهب بعدها إلى العالم الفلاني ( الذي هوأنت يا استاذي) و قل له يدرّسك ، فلا يقدر ألا يفعل . و خذ هذه النقود ، و عليك بالدرس . و كلما ضاق صدرك أذكرني آتيك و أتكلم معك .
و فعلت ما أوصاني ، فجئت إليك ، فأذنت لي في الحال أن أستفيد من درسك ، إذ جعلت لي درسا ًخاصاً . و ما كنت ذكرته لك – خلال ارتباطي بك – من المغيبات .. فانما هو الذي علـّمنيه لأخبرك به .
قال العالم الطهراني : عندئذ قلت للشيخ حسن : أيمكن أن تستأذن لي لألقاه ؟
فقال على البساطة : نعم ، فأنا أراه في أكثر الأوقات ، و لا بد أنه سيأذن لك !
في ذلك اليوم ذهب الشيخ حسن .. لكنـّه لم يعد . و تصرمت أيّـام ، و لم يحضر الدرس . و بعد أيـّام جاءني و قال : تكلمت مع المولى في صدد الاستئذان للقائه .. لكنه أوصاني أن أقول لك : متى ما كسرت نفسك كما فعل الشيخ حسن و تجاوزتها مثله سالكاً في طريق الدين .. فأننا نحن نأتي لرؤيتك ) . و أقول لك معتذراً أن الامام ولي العصر (عليه السلام) قال لي ألا أحضر درسك بعد الآن .
قال العالم الطهراني : بعدئذ ودّعني الشيخ حسن و انصرف . و كان ذلك آخر عهدي به.
__________________
1- المسافة ما بين مدينة مشهد و مدينة طهران تزيد على (900 ) كيلو متر.
الكمالات الروحية عن طريق اللقاء بالإمام صاحب الزمان (عج) للسيد حسن الأبطحي