بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
لطالما سمعت من أولياء الله (تعالى ) أن الانسان إذا بلغ مقام الخلوص ، و غدا في عداد الاولياء .. فان الذات الألهية المقدسة تكشف لقلبه عن مغيبات المستقبل.
عندما كنت و عدة من الأصدقاء في رفقة المرحوم الحاج ملا آقاجان ، خلال سفرنا إلى العتبات المقدسة في العراق كان مألوفاً من المرحوم أن يخبرنا – كلما رجعنا من زيارة الحرم الشريف عن الحاجات التي طلبناها من الله (تعالى) هناك ، و كان يخبرنا كذلك متى تتحقق هذه الحاجات .. و كأن يقول مثلاً : ليس من مصلحتك أن تتحقق لك الحاجة الفلانية التي طلبتها ، لأسباب معينة ثم يذكر تلكم الأسباب .
و اعجب من هذا أن كل ما يقوله يتحقق في الواقع ( وكان لا يتحدث بشيئ من هذا إلى من لا يحتمل ما يقول بسبب قلة لياقته و استعداده)
و حدث أني سألته يوماً : كيف تطلعون على هذه الحقائق؟
فأجابني على انفراد :
من يكن خادما ًلامام الزمان (عليه السلام) و يعد نفسه تراباً لنعلي الامام .. تكن كرامة هذا الانسان من كرامة الامام (عليه السلام) . و لا بد أن الامام (عليه السلام) و الحالة هذه سوف يصونه من الغلط و الاشتباه ، و سوف يريه الحقائق.
و بعد هذه الواقعة اتضح لي باستقراء الآيات القرآنية و أحاديث أهل البيت العصمة (عليهم السلام) أن من يبلغ مقام الخلوص فإن كل توجهه سوف يكون لله (تبارك و تعالى) و لامام الزمان (عليه السلام). و الذي لا ريب فيه أن لدى الامام (عليه السلام)علوم الأولين و الآخرين ، و هو خليفة رسول الله (صلى الله عليه و آله ) .. كما ورد في دعاء الندبة ( و أودعته علم ما كان و ما يكون إلى إنقضاء خلقك ) . و على هذا .. فالذين لهم ارتباط بالامام (عليه السلام) و قد بلغوا مقام الخلوص ، سوف يرشح عليهم من علوم امام الزمان (عليه السلام) ، فيطلعون على خبايا المستقبل بقدر ما لهم من استعداد.
جاء في كتاب بحار الأنوار (ج 69 ص 270 ) نقلاً عن كتاب (رجال الكشي) أن قوماً جاءوا إلى جابر الجعفي ، فسألوه أن يعينهم في بناء مسجدهم . فقال لهم جابر : ما كنت بالذي أعين في بناء شيئ يقع منه رجل مؤمن .. فيموت ! فخرجوا من عنده و هم يبخلونه و يكذبونه . فلما كان من الغد أتموا الدراهم ، و وضعوا أيديهم في البناء فلما كان عند العصر زلت قد البناء ، فوقع فمات .
لقد كان جابر من الذي ارتبطوا مخلصين بامام زمانهم جعفر بن محمد الصادق و بالقياس إلينا نحن .. فإننا إذا استطعنا الارتباط بالامام الحجة ابن الحسن (عليه السلام) ارتباطاً روحياً ، و التزمنا التزاماً كاملا ًبتعليماته حتى نصل إلى مقام الخلوص ( كما في حالة جابر الجعفي .. أو الحاج ملا آقاجان ) ، فإننا سنكون قادرين على الاستفادة من رشحات علوم الامام (عليه السلام).
احد طلبة العلوم الدينية كان يدرس بينة خالصة ، لكنه لم يتفطن إلى ما كان قد طوى من مراحل .. قال يوماً : في اللحظة التي عزمت فيها على الدراسة .. ذهبت أولاً إلى الدار ، و انتبذت زاوية من الغرفة أفكر : أمن أجل الله و امام الزمان (عليه السلام) أريد أن أدخل في هذا الأمر أم بدافع هوى في النفس ؟ و لما بحثت في داخل نفسي خلال هذه المقدمة التي سأقولها ما وجدت ، و لله الفضل و المنة ، غير الله (جل جلاله) .
و هذه المقدمة هي : أمجنون أنا حتى أسلخ سنوات من عمري طويلة – استجابة لهوى في النفس في عمل غير مرغوب فيه لدى الناس .. أعاني فيه من شظف العيش و أكابد الفقر و الفاقة ؟! و لكن لأن المرجع الديني يرى هذه الدراسة من وظفيتي ، و لأني كنت قد قرأت فيما مضى شيئاً من الدروس .. فمن الممكن إذن أن أنوي في دراستي (قصد القربة) و لسان حالي يقول : إلهي وربي .. أمرت بالتفقه في الدين ، و ها أنذا مطيع لما أمرت .
و بعد تحقق هذه النية وما يزال الطالب يتحدث ذهبت إلى الحمام ، فاغتسلت وتبت إلى الله (تعالى) من سالف ذنوبي .. ليس من أجل ما أعد للعالم و للمتعلم من عظيم الثواب ، و ليس من أجل ما في هذه الدراسة نفسها من أهمية .. إنما من أجل رضوان الله و حسب . و كنت أعاود تذكر هذا المعنى بيني و بين نفسي.
كان ذكري الدائم ( يا صاحب الزمان .. روحي لك الفداء) و ما كنت طول أيام الدراسة لأنس إلى به (عليه السلام) ، و ما كنت لأفكر بشيئ سواه . حالتي الروحية كانت حسنة جدا ً، و كان يتحقق لي كل ما كنت أبتغيه . في أحد الأيام ضاعت منيّ سلعة ، و وقع في ظني أني كنت قد وضعتها في مكان ما يبعد عدة كيلومترات . و لكني ما أن ندبت (يا صاحب الزمان) .. حتى رأيت تلك السلعة المفقودة قد وقعت إلى جواري .
في مرة من المرات كنت في أرض صحراوية قائظة ، فطلبت من الله (تعالى) مقداراً من الفاكهة . و في هذا الطقس الحار رأيت رجلاً شيخاً يجيئ و يضع أمامي سلة من العنب.
كنت في ارتباطي بامام الزمان (صلوات الله عليه) أعيش في أنس و بهجة ، فلم أشعر يوماً بالنأي عنه و البعاد . كنت اتحدث إليه باستمرار ، و أطلب منه العون و الامداد. لقد كنت خلال هذه المدة كلها . في أفياء حمى الامام ولي العصر (عليه السلام).
حتى إذا أكملت دراستي ، و مارست عملي بين الناس ، وصرت اماما ًلصلاة الجماعة .. افتقدت تلك الحالات الروحية . و ها أنذا الآن لا أدري ما عساني أصنع ، و ما السبيل إلى عودة تلك الحالات المفقودة.
ثم كيف كان يحدث أن يتحقق لي كل ما أريد ؟ أكان ذلك بسبب قوة إرادتي ، أم أنه كان يجري بعناية من أهل بيت العصمة و الطهارة (عليهم السلام) ؟
و أجبته قائلاً : ينبغي ألا يكون المرء نظير أولئك الذين ذكرهم الله (عز و جل) في القرآن الكريم بقوله ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) في حالتك الأولى كان الفقر وضيق ذات اليد و انقطاعك إلى الله .. كل أولئك كان يقودك إلى المعنويات . و لكن خلوصك ينبغي ألا يعتمد على الضغوط التي لا بد و أن تذهب يوماً ما . إنما عليك أن تعمل في سائر الأوقات ما كنت تعمله في أيام الدراسة . أي أن تتفكر في بدء كل عمل تريد أن تقدم عليه : اتقوم به لله (تعالى) خالصاً مبرء من أقل شائبة ؟ و إلا فما عليك ألا أن تدع هذه العمل كائنة ما كانت قيمته . و ما كنت تظفر به في تلكم المدة من حالات معنوية و من كرامات .. فانما هو من أثر ذلك الخلوص الذي تمسكت به في بادئ أمرك.
و أعلم أن الانسان عندما يجاهد من أجل الحصول على الخلوص فإنه يغدو من الخواص و من أولياء الله (تبارك و تعالى) و من المرتبطين بالامام ولي العصر (عليه السلام) ، و لسوف يصدر عنه من هذه الكرامات كثير.
الفضيل بن يسار كان من أصحاب الامام الصادق (عليه السلام) . و عند وفاته نقل إلى المغتسل لتغسيله . يقول ربعي بن عبدالله : حـدّثني غاسل الفضيل ، قال : أني لأغسل الفضيل بين يسار ، و ان يده لتسبقني إلى عورته (يغطيها).
قال ربعي : فخبرت بذلك الامام أبا عبدالله الصادق (عليه السلام) ، فقال ( رحم الله الفضيل بن يسار . و هو منا أهل البيت).
و هنا نلاحظ أن الامام الصادق (عليه السلام) قد نسب كرامة الفضيل بن يسار العجيبة هذه إلى اتصاله الوثيق بأهل البيت النبي (عليهم السلام) ، حتى كان من خواص أصحاب أمام زمانه .
ثمة شاب كان قد توجه إلى جبهة القتال بمثل هذا الخلوص .. قال : غالباً ما كنت أنفرد في ناحية من خندق الحرب ، و أتوسل إلى الله (تعالى ) بأهل البيت (عليهم السلام) . اذ أني كنت أدمن قراءة (دعاء التوسل) الذي أحفظه عن ظهر قلب فأتعلق خلاله بحجزة المعصومين الأربعة عشر ( عليهم السلام) . . فإني ما كنت أخاف أحداً و لا أخشى أي شيئ.
في أحد الأيام كانت نوبتي في الحراسة على رأس جبل في جبهة (كيلان غرب) .. فباغتني وجود أفعى كبيرة (كبرى) تتجه صوبي . وضعي في موقع الحراسة لم يكن يسمح لي بالتحرك من مكاني . فإذا ما صدرت مني حركة فإنها لا بد أن تلفت نظر العدو الذي سيجيب باطلاق النار علينا ، مما قد يستجر قتل أفراد لاخوتي المقاتلين من القتل . لزمت موضعي .. و الأفعى ما تزال تسعى إللي ، حتى استقرت خلفي . و شعرت أنها أخذت تمـّرر لسانها على رقبتي . و لكنها بعد لحظات و لم تصدر منـّي أية حركة قد ولت هاربة بسرعة عجيبة .
أضاف محـّدثي الشاب هذا : أنها لمرات عديدة تلك التي نجوت فيها من أمثال تلك المخاطر ، بفضل التوسل بامام الزمان (عليه السلام). لكن محـّدثي لم يذكر تفصيل هذا الذي أجمله . فقلت له : أن الامام الصادق (عليه السلام) يقول ( إن المؤمن إذا كان مخلصاً أخاف الله منه كل شيئ ، حتى هوامّ الأرض و سباعها ، و طير السماء ، و حيتان البحر.
و قد ذكرالعالم الجليل السيد علي بن طاووس في كتابه (الأمان) أن بعض خواص الامام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : كان قد سجد ، فطوقت أفعى عنقه ، فلم يتغير الرجل
عن حال سجوده و مراقبة معبوده .. حتى انفصلت الأفعى عن رقبته بغير حيلة منه ، بل بفضل الله (جل جلاله) و رحمته .
و روي السيد أبن طاووس أيضاً عن علي الزاهد بن ا لحسن بن الحسن بن الحسن السبط (عليهم السلام ) أن كان قائماً في الصلاة ، فانحدرت أفعى من رأس جبل و صعدت على ثيابه و دخلت من زيقه (1) و خرجت من تحت ثيابه ، فلم يتغير عن حال صلاته و مراقبته لمالك حياته .
_______________________________
1- زيق القميص:بالكسر ما أحاط بالعنق منه(القاموس).
الكمالات الروحية عن طريق اللقاء بالإمام صاحب الزمان (عج) للسيد حسن الأبطحي