بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
قرأ أحد طلاب الحوزة العلمية في قم كتاب (معراج الروح) .. ثم ذكر لي - ( الكاتب )- أنه عمل في شبيبته ما كنت عملته أنا في أوان شبيبتي . لكنه كان يبحث عن رفيق له نظير المرحوم الحاج ملا آقاجان ليأخذ بيده . و كان في ظن هذا الطالب أن في إمكاني – بعد ان تصرم عليّ خمس و عشرون سنة في هذا السبيل – ان أعينه و أساعده.
ثم أني وافقت فعلاً على اعانته .. لا لأني أجد نفسي مؤهلاً لهذه المهمة ، بل لأني لم أجد مناصا ً- و لعله وجب عليّ – أن اعينه بأي سبيل .. فاتخذته صديقاً ، و تعاهدنا أن يذكر أحدنا الآخر بما يرى فيه من النقائص و العيوب . و هذا يعني أن يدلني على اخطائي ، و أن أدله على ما يعمل من خطأ.
دمنا زماناً على هذا العهد .. حتى بلغت علاقتنا إلى مستوى المحبة الصميمية التامة . و جاءني في أحد الأيام .. و قال:
أجد في نفسي منذ أيام حالة خوف و قلق إزاء المستقبل المجهول نغصت عليّ حياتي ، و لا أدري ماذا أفعل ؟
قلت له أتراك تحب الله ؟
فقال : إن حبي لله لم تبق لي معه قدرة على التحمل و الصبر . غالباً ما أقضي ليلي إلى الصباح في بكاء و في مناجاة لله .. حتى دخلني شيئ من الخوف و الاضطراب ، إذ صرت أخاف أن أعمل ما ينقص من محبة حبيبي – الهي العزيز – لي و كلما زادت معرفتي و محبتي .. زاد هذا الخوف من الارتباط بالله (تعالى).
قلت له : هذا الخوف المنبعث من محبة الله و معرفته إنما هو مصفات أولياء الله ، و هو من الكمالات الروحية . و عليك أن تقدر قدر هذا الخوف و لا يزعجنك هذا الخوف وجوده.
قال : صحيح أني لم أنزعج منه كثيراً . و لكن خوفي ليس من هذا وحده ، بل خوفي أن أعيش في الدنيا فقيراً معدماً أمد يدي إلى الناس .. أن أمسي مريضاً تعذبني الآلام . أخاف ألا أكون ممن ينظر إليهم الامام بقية الله (ارواحنا فداه) نظر لطف .. و أن اكون على المدى في حجاب . أخشى أن أقع – في عالم الرزخ و القيامة – تحت سلطان الغضب الإلهي.
قلت : إذا كان كذلك .. فإن هذا الخوف هو من الأمراض الروحية التي لا بد أن تعالج.
و وفقاً لعهدنا السابق .. كان عليّ أن أفعل ما يمكن لتصحيح هذا النقص الروحي . أي أن أعينه ليكون في حالة بين الخوف و الرجاء . و هي ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن ، و أن ينجو من هذا الرعب الطاغي المستبد.
و في منتصف إحدى الليالي توسلت بالامام بقية الله (روحي و ارواح العالمين له الفداء) أن يجعل في كلامي مع هذا الصديق أثراً يفرج كربته .
و في الصباح .. جاءني صاحبي ، فرأيت التأثر و الأذى في سيمائه ، مما يشي بأنه قضى ليلته مسهدا ً- من كربته – حتى الصباح.
قلت له : لم تخاف المستقبل ؟ ! أليس الله (تعالى) يقول ( و من يتوكل على الله فهو حسبه) ؟ فلم اذن لا تتخذ إلهك الحبيب الذي له القدرة المطلقة و السلطان الشامل .. وكيلاً لك فيما ينتابك من معضلات ؟ أيجوز ألا يفي (سبحانه وتعالى ) بما وعد .. فلا يكون الكافي لك في شدتك ؟
أترى غيره (جل جلاله) وكيلاً أقد منه و أعظم .. هو الذي بيده مقاليد الأمور؟
أريد أن أسالك : إذا كان رئيس جمهورية مثلاً يقول لك كل يوم (اجعلني وكيلاً لك في أعمالك انجزها لك على خير وجه ) و انت تعلم أنه صادق فيما يقول . فهل يبقى في نفسك خوف من المستقبل ، و ذعر من أن لا تنجز أعمالك على نحو صحيح ؟! لا بد أن الخوف – و الحالة هذه – سيزايلك .. مع أن رئيس الجمهورية هذا ربما يخطئ في أداء أعمالك ، فلا يفي لك بكل ما وعد.
أما فيما يتصل بالله (عز وجل ) ..فان احتمال الخطأ في حقه (تعالى ) و القول بمحدوية قدرته .. يعني صريح الكفر . و ما دام ربنا (سبحانه) منزهاً عن الوهم و مبرء من الحدود و القيود بأي تصور من التصورات .. فلماذا ً- اذن – تظل في قلق على مستقبلك ، و تقع فريسة بين أنياب الخوف ؟!
عندها قال لي : لقد تركت كلماتك في داخلي آثراً عجيبا ً. و لكني أخاف هذه المرة أن يوسوس إلى الشيطان ، فأضل عن حالة الطمأنينة هذه . فهل يمكن أن تعلمني الىن عملاً أؤديه إذا حدث لي مثل هذا .. فأكون في منجى من وساوس الشيطان ؟
قلت : كلما وجدت هذه الوسوسة .. فتوسل أولاً بالامام صاحب الأمر عليه السلام ، و استنجد به ليدفع عنك الوسوسة . ثم عليك أن تفكر بما سردته عليك من موضوعات مستمدة من القرآن و العقل ؛ فإن التفكر يعدل عبادة سبعين سنة . و ما لم تصل إلى حالة الطمأنينة .. فعليك أن تنفض عنك حديث النفس ، و حاول ألا تترك وسوسة الشيطان في نفسك لحظة واحدة . و معنى هذا أنك إذا كنت ماشياً في الطريق لأداء عمل لك عاجل ، وشعرت بغتة بهذه الوسوسة في داخلك فعليك أن تعرض فوراً عن عملك هذا الذي خرجت إليه – كائنا ًما يكون – و أن تعمل بما وصفته لك من التوسل بالامام (عليه السلام) للخلاص من هذه الحالة . و إلا فمن الممكن – لو دامت الحالة في داخلك لحظات أخرى – أن توقعك . و لن تستطيع عندها أن تدفعها – و لو بجهد جهيد.
و لقد تمكن بعدئذ هذا الصديق العزيز – و لله (تعالى) المنة – أن يسعى سعياً في غاية الجد للخلاص من الوساوس . و قال هو عن نفسه : كان خيراً من النجاة من الوسوسة .. هو ما ظفرت به من حالة التوسل بالامم بقية الله (روحي فداه) فإلى جوار ما حظيت به من التجليات المقدسة في حالات التوسل ، فزت بلذة المناجاة التي غدت ملكة لدي .. و صرت أجد الألطاف المقدسة للامام على الدوام.
الكمالات الروحية عن طريق اللقاء بالإمام صاحب الزمان (عج) للسيد حسن الأبطحي