بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
يقول أحد محبي الامام ولي العصر (عليه السلام) لا يرتضي ذكر اسمه : التزمت مدة بمراقبة نفسي و محاسبتها ، فكنت أسعى خلال هذه المدة إلى ترك المحرمات و الابتعاد عن المكروهات بما استطيع ، و اسعى كذلك إلى أداء الواجبات في أول وقتها و على الوجه السليم .. و هذا يقال له (المراقبة) . و من جهة أخرى كنت اوقف نفسي ليلياً أمام محكمة الضمير أحاسبها على السلبيات و الايجابيات من أعمالي على نحو دقيق . فاذا كنت عملت سوء استغفر منه و أتلافى ما يمكن تلافيه قبل النوم . و إذا كنت عملت خيراً شكرت الله (تعالى ) على ما وفقني إليه.
كنت أزن أعمالي بميزان المراقبة و المحاسبة هذا ، و نظمت يوميات حياتي بموجبه .. و لكن صدرت مني في أحد الأيام معصية أدركت عندها أني ما أزال في نقص مريع – من الجهة المعنوية .
و بعبارة أوضح : أن هذه المعصية – مع انها صغيرة – كانت تعني لدي أمراً خطيراً ، لأنها ناشئة من خصلة نفسية دنسة . و قد دعاني هذا أن اقصد طبيباً روحياً لمعالجة هذا المرض الروحي . في وقتها كنت مقيماً في طهران ، و لا أعرف أحداً أقصده في هذا الشأن . كان مألوف عادتي في مثل هذه الحالة أن أيمم وجهي نحو مزار من مزارات أبناء الأئمة (عليهم السلام ) لأستمد النجدة و المعونة من روح النبي الأكرم و أرواح الأئمة الأطهار و أرواح أبنائهم (عليهم السلام) .. فألقى عندئذ لديهم ما أبتغي من العلاج الروحي.
و تحقيقاً لهذا الغرض ، انطلقت إلى مزار السيد عبدالعظيم الحسنى (عليه السلام) في مدينة الري . بكيت كثيراً في تلك البقعة المباركة .. إلى حد أني رحت أخاطب السيد عبدالعظيم بقولي : من الآن فصاعداً لن أكون مسئولاً إذا اقترفت معصية بسبب هذا المرض الروحي ، بعد كل هذا التوسل و البكاء ! في هذه الأثناء وقع نظري على سيد رق لحالي .. فدعا لي ، و طلب من الله (تعالى ) أن يشفيني مما بي ، بأن يدلني على الطبيب الروحي الذي أنتفع به .
في تلك اللحظات قررت – اعني : ألقي في روعي – أن أقصد دار عالم في طهران ، كنت أعرفه من قبل . و مع أن هذا العالم لم يكن متضلعاً في القضايا المعنوية .. إلا أني مضيت إلى داره على رجاء أن يمن الله (عز وجل) عليّ عن طريق بالشفاء . و من حسن الطالع أني وجدته بمفرده ، فجلست لديه بعض الوقت . و خلال اللحظات التي كنت فيها إلى جانبه تفطن هذا الرجل الشيخ – من ظاهر حالي – إلى أني أعاني من داء فتاك . ألح علي أن أعلمه بما أنطوى عليه و بما يقلقني و يؤرقني . لكني ما استطعت مفاتحته ؛ لأنه غير قادر على إدراك خطورة مرضي الروحي.
و حتى الآن .. لو ذكرت لكم ما كنت أعانيه في حينها من ذلك المرض ، لربما ضحكتم قائلين : من أجل موضوع هين كهذا كنت تتعذب إلى هذه الدرجة ؟!على أي حال .. كان ذلك الداء يرمي أحياناً إلى المعصية . و لا أظنكم تقولون أن المعصية لا أهمية لهاه بالقياس إلى رجل سالك إلى الله (تعالى ) ، يريد كشف حجب نفسه بترك المعاصي و فعل الواجبات.
و على أي حال .. أطرقت برأسي و رحت أبكي بصوت خفيض . فقال لي ذلك العالم الكبير : اسمح لي أقرأ لك القرآن ، فلعلك تستريح . هززت رأسي علامة الموافقة . فتح المصحف الشريف .. و بدأ يتلو سورة (الملك ) من أولها . كنت مطرقا ًأبكي . و على حين غرة وجدت نفسي في جو لا صلة له أبداً بالدنيا و المادة و عالم الأجسام . و ما كان ثمة إلا صوت تلاوة سورة (الملك) .. ما كان يصدر من حنجرة ذلك العالم ، بل كنت أحس أن ذلك الصوت يولد صدى طنين ينبعث من الجهات الست . لقد كان صوتاً جذاباً أخاذاً يعبر عنه خير تعبير ما نخاطب به الامام بقية الله (أرواحنا فداه) بهذا البيت الشعري المعروف:
ما أحلى أن يسمع منك صوت القرآن الآسر الجذاب
كما كان كلام الله يـَسمع من الشجرة (في الوادي الأيمن)
أجل حينما نسمع القرآن من هذا الوجود المقدس .. فكأن الله (تبارك و تعالى ) هو من يتحدث إلينا : ينطق بدواء دائنا ، و يهبنا ( وصفة ) العلاج الروحي لأمراضنا.
بيد أن قراءة القرآن ما كادت تتم .. حتى وجدتني مرة أخرى في دار ذلك العالم الذي سألني بعدها : أ أقرا لك أيضاً .. أم أكتفيت ؟ قلت : شكراً ، لقد بلغت المراد و عثرت على دواء الداء.
على أثر هذه التزمت بقراءة سورة (الملك) – إذا وجدتها العلاج – مدة اربعين يوماً ، و نفذت مضمون (الوصفة ) و بعد مدة وجيزة برئ – و لله الحمد – مرضي الروحي ، و انزاح حجاب من الحجب التي كانت تحول بيني و بين الامام بقية الله (عليه السلام).
اجل إن الذين يهمهم امر الحقائق و يدركون أن الكمالات المعنوية هي فوق السلامة البدنية .. ليضطرون هكذا و يعانون بسبب داء روحي . إن غاية ما تؤدي إليه الأمراض الجسدية إذا ترك علاجها هو الرحيل عن هذه الحياة الدنيا .. فيفقد المرء فقط هذه المئة سنة عل الأرض إذا كان مقدراً له أن يعيش مئة سنة – كحد أعلى . لكن المرء سوف يخسر الحياة الآخروية الخالدة الباقية بكل جمالها ومحاسنها – إذا فتكت بروحه الأمراض المعنوية . . و سيكون في موقف المحاسبة و المؤاخذة من الله (عزوجل)
إن أولياء الله (تعالى ) ينظرون إلى الحياة المعنوية و الكمالات الروحية – بالقياس إلى الصحة الدنيوية – نظرتهم إلى غير المتناهي في مقابل المحدود الضيق الذي لا تزيد قيمته على الصفر.
****
أحد محبي الامام بقية الله (عليه السلام) كان قد أضناه حبه ، و استبد به الهيام . و كان ظنه أن كافة طلبة العلوم الدينية – و هو احدهم – خدم للامام (عليه السلام) لا يغفلون لحظة عن ذكره . جاءني هذا الرجل يوماً و هو يبكي ، يلتمس أن أدله على خطة يكون فيها من الابدال المتشرفين بمحضر امام الزمان (روحي له الفداء) .
تحدث إليه ، في كلام مبسوط ، عن تزكية النفس . و ذكرت له أن المرء لا يتأهل للارتباط بالصالحين – و خاصة بالامام ولي العصر (عليه السلام) – اذا كان ما يزال في داخله و لو رذيلة واحدة من مثل حب الدنيا و حب الرئاسة . و اوردت له من الآيات و الروايات ما يناسب حالته و ينفعه لبلوغ مقام الصالحين .
ثم أن هذا الرجل مضى ، و غدا يتصل بي كل اسبوع بالتلفون من مسافة تزيد على ألف و مائتي كيلو متر – هي مسافة بين مدينة (كاشان) و مدينة (مشهد) .. مستفيداً من الهاتف العمومي ، إذ لم يكن في داره هاتف ، فكان يسأل عما يحتاج إليه . و في أحد الأيام أتصل بي و أخبرني أن يده قد أصبحت شلاء.
سألته : كيف ؟
قال : لا أدري ، و لكني إذ استيقظت صباح اليوم من النوم ، وجدت جانباً من يدي قد أفتقد الاحساس ، و لم يكن بوسعي أن احركها . و راجعت الطبيب ، فقال : انها مصابة بالشلل.
اخذت في تسليته و التسرية عنه . قلت له : تعافى إن شاء الله . و انك لتعلم أين ينبغي أن تطلب حاجتك . عليك التوسل بامام الزمان (عليه السلام) لتشفى . بكى صاحبي و قال : إن شاء الله ، و ارجو أن تدعو لي.
و انسلخ شهر من الزمان ، فاتصل بي من كاشان .. قائلاً : رأيت البارحة رؤيا عجيبة ، أسال عن تفسيرها.
قلت : جعلها الله خيراً ، و لكن اخبرني قبل أن تقص رؤياك .. أعوفيت يدك ؟
لكنه انخرط بغتة في بكاء ، و قال : عوفيت باذن الله.
ثم قال : البارحة رأيت الامام ولي العصر (ارواحنا فداه) قد جاء ، و معه الصديقة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) فأوصت الصديقة ولدها (عليه السلام) بي .. و انصرفت بيد أن الأمام بقي و جئت انت . جس (عليه السلام) يدي كما يفعل الطبيب إذا أراد معالجة مريضه ، و قال لك : أعلمته شيئاً ؟
قلت له : أجل ، علمته ما يكون به من الصالحين . ( أي ذكرت له أن يلتزم بالواجبات ، و يتجنب المحرمات – و كذا المكروهات ما أمكنه ذلك . كما ذكرت له ما يعينه على الخلوص في الروح و الاخلاص في العمل).
ابتسم الامام (عليه السلام) بمسرة ، و قال : نعم .. سيكون عاجلاً من الأبدال (أي الصالحين ).
و من شدة فرحي بهذه البشارة .. أخذت أقبل يد الامام (عليه السلام) و ابكي .. حتى افقت من النوم . و من فوري خرجت من الدار قاصداً الهاتف العمومي لأخبرك . و قد نسيت شلل يدي و ما كان ينتابني بسببها من قلق ، لما بشرت بهذه البشرى . و صدقني أني قد ذهلت عن شلل يدي و ألمها ، و ما نبهني إليها إلا سؤالك عنها آنفاً في الهاتف . و لولا ذلك لما تفطنت إليها بهذه السرعة . و ها هي – و لله الحمد – سليمة معافاة .. و هذا ما حدا بي لحظة سؤالك عنها أن ابكي .
بعدئذ جاء صاحبي هذا إلى مشهد ، و عاينت يده من قرب ثم قال لي : لماذا صدق نصف رؤياي (شفاء الشلل) و لم يتحقق النصف الآخر الأهم حتى الآن؟
قلت له : ستكون من الأبدال الصالحين بإذن الله . اصبر تـُوفق – إن شاء الله.
الكمالات الروحية عن طريق اللقاء بالإمام صاحب الزمان (عج) للسيد حسن الأبطحي