بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المتحقق بمقام الروح محمد النبي ملهم الأرواح ، وعلى آله الذين استقروا في مقام أو أدنى..
السلام عليكم ورحمة اللله وبركاته
..3..
مذكرات سالك
في العاشر من الشهر التالي كانت أنياب السنين تقضم ما تبقى من أيام حياتي مخلّفةً وراءها كدورات الماضي وآهات الذكريات التي تحكي عن الفراق المستمر. فمتى ألقاه ، وأنا أكتبُ هذه سطور ما زلتُ محتجباً عن رؤياه، أسمعُ من بعيد ألحان قدسه بنفحات الرحمة العذبة. تختلط في أعماقي الأحزان بالآمال، وتشع في سرادقات نفسي أنوار الرجاء، تخونني دموع الآماق ، و تنحسر عني كلمات الشكوى...
مرة أخرى أركن الى حظ نفسي مخالطا هواي، فأظنها من أصحاب قافلة السالكين ومريدةً وادي العاشقين، وأنظر الى مسافات الجفاء فأحسبها سفرا، وأغترّ بخيالات العلم فأظنها نورا. وأعزم على اكمال السفر الثاني.
ما ان دخلت المحطة حتى هجم عليّ كل قطاع الطرق بأمواج السخرية والاستهزاء ، سخرية من الماضي حيث رضعنا معاً من ثدي الطبيعة ، وهل ينسى المرء أخاه في الرضاعة! واستهزاء من سفري الحالي وانا لا املك حتى بضاعة مزجاة. فلاحقوني في كل غرفة ذكر أو خلوة فكر أو مناجاة حبيب، يعزف كل واحد منهم على أوتار الذنوب ، وشاهد السوء ينادي غريمه لينزل الى ساحة الجفاء وليقطّع ما تبقى لي من حبال الحنين وتشوّق اللقاء..
لن أستطيع اليوم أن أصوّر تلك الايادي الغادرة. فما زالت سياط قهرها تنهال عليّ في لحظات الوصال.ما زالت آثار حرابها وطعناتها المرّة تنهش صراخات النجدة ، فتعلو عليها لتسكتها، وتمزّق رسائل الاستغاثة لترميني في مزالق المهالك العظمى.
انتصرت عليّ في ميدان المعركة الاولى فطردتني من عز الفناء، وطاردتني مع فلول الأمل الى حيث تسبي كل ما تبقّى لدي من رشحات المطر.في كل مرة : هزيمة؛ وفي كل محطة: وقوف. وما زالت تدعو جحافلها شاهرة سيوف القهر والتسلط. تقيم معسكراً هنا وقلعة هناك، تغرز في أقدامي أغلال العلائق، وتضع على أكتافي أوزار الاحمال. وأنا لا أدري ... أو كنت لا أريد أن أدري..
في خضم أمواج الجفاء العاتية، لاح من جانب المشرق كتابٌ من جار المحبوب. فقد رآه مرة أخرى يدعوني اليه وأنا أفرّ منه:
فكيف يلحقُ من كان في الطبيعة غارساً شجرة؟!