بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد و آل محمد الطيبين الطاهرين و عجل فرجهم يا كريم
السلام عليكم و رحمه الله و بركاته
أخواتي العزيزات
حفظكم الله و رعاكم من كل سوء و شر
مُلتقى رائع كـ روعة من تواجد فيه , جعل الله كل حرفِ كتبتموه ثقلاً لكم في ميزان اعمالكم الصالحة يوم الورود .
مما قرأت و اعجبني القصة التاليه , لعلها طويله و لكنها منيره !
كان المرحوم الشيخ محمّد الحكيم الهيدجي من علماء طهران، و قد بقي الی آخر عمره يقطن غرفة في المدرسة المنيرية المتّصلة بقبر ذريّة الامام: السيد ناصرالدين (الذي يرجع نسبه الی أحد الائمة الاطهار). و قد هُدمت تلك المدرسة فيما بعد بسبب تعريض الشارع و توسعته.
و كان رجلاً حكيماً و عارفاً منزّهاً عن طريقة أهل الغرور، و كان مراقباً ذا ضمير صاف و قلب مشرق مُضاء و فكرٍ سام.
و قد اشتغل الحكيم الهيدجي بالتدريس الی آخر عمره، فكان يشرح لايّ طالب من طلبة العلوم الدينيّة ماشاء من الدروس، ابتداءً من شرح المنظومة السبزواريّة، و أسفار الملاّ صدرا، و الشفاء، و الإشارات، وصولاً الی دروس العربيّة التي تدرس فيالبدايات، كجامع المقدّمات. كان يشرح ذلك كلّه بلا إباء، و كان يستقبل الجميع في تعليم الدروسالدينيّة لا يستثني منهم أحداً.
و من بين تلامذة المرحوم الهيدجي: الآخوند المولي علی الهمداني، العالم المتّقي الذي يعدّ حاليّاً من علماء همدان البارزين، حيث درس لديه الحكمة و تتلمذ فيها عنده.
قيل أنّ المرحوم الهيدجي كان يُنكر حصول الموت الإختياري، ويعدّ الخلع و اللبس الإختياري أمراً محالاً، و يتصوّر هذه الدرجة و الكمال أمراً بعيد المنال عن الناس، و كان يُنكر ذلك و يرفضه بشدّة في بحثه مع تلامذته.
و حصل ليلةً أن كان في غرفته مشغولاً بورده بعد فراغه من فريضة العشاء، فدخل عليه فجأة رجل قرويّ عجوز فسلّم و وضع عصاه في زواية الغرفة و قال: ما شأنك يا سماحة الشيخ و هذه الامور؟
ردّ الهيدجي: أيّ أمور؟!
قال الرجل العجوز: الموت الإختياري و إنكاره، فما علاقتك أنت بمثل هذه الكلام؟
قال الهيدجي: هذا واجبنا. البحث و النقد و التحليل عملنا، فنحن ندرّس و لدينا مطالعات حول هذه الامور بذلنا فيها جهوداً و أتعاباً، نحن
لا نقول شيئاً من عندنا!
قال العجوز: ألا تقبل بالموت الإختياري؟
قال الهيدجي: كلاّ!
فمدّ العجوز رجليه تجاه القبلة أما أعين الهيدجي، و استلقي علی قفاه و قال: إِنَّا لِلهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، و رحل عن الدنيا لكأنّه توفّي منذ ألف سنة.
فاضطرب الحكيم الهيدجي أن: يا الـهي، ما هذا البلاء الذي حلّ بنا الليلة؟ ماذا ستفعل الحكومة بنا؟ سيقولون: أخذتَ رجلاً غريباً الی غرفتك فقتلتَه سمّاً أو خنقاً.
يقول الهيدجي: هُرعتُ بلا شعور فأخبرت الطلاّب، فجاءوا الی الغرفة و تحيّروا بأجمعهم و لفّهم القلق من هذه الحادثة. ثم صار الاتفّاق علی ان يقوم خادم المسجد بجلب تابوت لينقلونه ليلاً الی ساحة المدرسة المسيّجة، علی ان نقوم غداً بأمور تجهيزه و اعداد الاستشهادات المطلوبة. و فجأة نهض الرجل من مكانه جالساً و قال: بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، ثم التفتَ الی الهيدجي و قال ضاحكاً، أصدّقتَ الآن؟
ردّ الهيدجي: نعم! صدّقتُ، باللهِ لقد صدّقتُ. لقد زعزعتني الليلة وأهلكتني.
فقال: العجوز: أيّها العزيز، ليس الامر بقراءة الدروس فقط، عبادة نصف الليل هي الاخري واجبة. التعبّد أيضاً مطلوب، الامر الفلاني مطلوب و مطلوب و مطلوب... إلخ. انّك تقرأ و تكتب و تتحدّث فقط، أفهذا وحده كافٍ للامر؟!
و هكذا فقد غيرّ الحكيم الهيدجي طريقته منذ تلك الليلة، فصار يصرف نصف ساعاته للمطالعة و الكتابة و التدريس، و النصف الآخر للتفكرّ و الذكر و عبادة الله جلّ و عزّ، و صار يتجافي عن المضجع اذا جنّه الليل، و مجمل الامر انّه وصل الی حيث ينبغي له أن يصل، فصار قلبه منورّاً بنور الله، و تنزّه سرّه عن غير الله سبحانه، و صار له الانس و الالفة بربّه في كلّ حال. و يمكن فهم حالاته و أطواره من ديوان شعره بالفارسيّة و التركيّة، كما انّ له حاشية علی شرح المنظومة السبزواريّة في غاية الفائدة.
هذا و قد طُبعت وصيّته آخر ديوانه، و هي وصيّة جميلة تستحقّ المطالعة، فقد كتب بعد حمد الله و بيان الشهادتين و تقسيم أثاثه و كتبه يقول: «و أرجو من الرفقاء أن لا يضعوا عمامتي عند موتي علی التابوت، فليس هناك من داعٍ لإثارة الضجّة، و ان لا يكون مجلس الفاتحة علی مدعاةً لإزعاج أحد، فقد خُتم عمري و خُتم عملي، فليفرح أصدقائي لانيّ أنجو من سجن الطبيعة و أذهب الی المقصود و أحصل علی عمر دائميّ. و اذا ما كان الاصدقاء مغتميّن للفراق، فانّهم سيأتون إن شاءالله فنزور بعضنا البعض هناك. و لقد كان بودّي أن يكون لديّ نقود لاعطيها للرفقاء ليعدّوا مجلس فرح و سرور في ليلة رحيلي ليبعث ذلك السرور، و ذلك لان تلك الليلة كانت ليلة وصالي. و قد كان المرحوم الرفيق الشفيق السيد مهدي رحمة الله عليه و عدني أن يضيفني و سَيفي بوعده إن شاء الله تعالي».
كان جميع طلاّب المدرسة المنيريّة يقولون انّ المرحوم الهيدجي قام عند حلول الليل بجمع الطلاّب جميعاً فنصحهم و وعظهم و دعاهم اليالتحلّي بالاخلاق، و كان يضحك و يمزح كثيراً، و كنّا نعجب: لماذا يمزح الليلة كلّ هذا المزاح هذا الرجل الذي طالما شُغل بالعبادة ليلاً؟! ولماذا يشغلنا بعبارات النصائح؟ بيد اننا لم نكن نعلم بحقيقة الامر.
و لقد صلّي الهيدجي صلاة الصبح أوّل حلول الفجر الصادق ثم دخل غرفته فأخلد للنوم، ثم دخلوا عليه الغرفة بعد ساعة فوجدوه نائماً مستقبلاً القبلة و قد أسلم الروح، رحمة الله عليه
دعواتنا بالمغفرة و الرحمه لمن هم تحت التُراب من المؤمنين و المؤمنات
وفقكم الله لكل خير ببركه و سداد من اهل البيت عليهم السلام
(يا علي يا علي يا علي(53))