بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلّ على محمد و آل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف و عجّل فرجهم يا كريم ..
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،
بارك الله فيكم أخواتي العزيزات و وفقكم لكل خير ببركة و سداد أهل البيت عليهم السلام ..
نستكمل معكم الوصايا في زمن الغيبة لصاحب العصر و الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ..
41. إن المؤمن المنتظر، يلتجئ إلى الله -عز وجل- بالدعاء للثبات على الدين، والسلامة من فتن آخر الزمان، حيث الابتلاء بالشهوات والشبهات.. وهنا أمرنا في زمن الغيبة ببعض الأدعية، ومنها دعاء الغريق، وهو أن يقول المؤمن:(يا الله!.. يا رحمن!.. يا رحيم!.. يا مقلّب القلوب!.. ثبّت قلبي على دينك)..غير أنه لا يعني ذلك الاكتفاء بالدعاء فحسب، وإنما يلزم المؤمن السعي في تحصين نفسه: تكامل في الروح، والفكر، والعقيدة؛ مثله مثل الإنسان الذي يطلب الرزق، ويسعى جاهداً في تحصيله.
42. إن المؤمن علاقته بإمامه (عج) علاقة القيادة.. ينبغي ألا ننسى أنه هو امتداد لخلافة الله في الأرض، كما أن آدم (ع) مجعولٌ خليفة لله –تعالى- في الأرض، الإمام (عج) خليفة في هذا العصر.. هو السبب المتصل بين الأرض والسماء، هو الذي تتنزل عليه الملائكة في ليلة القدر.. الأرض التي لا يمكن أن تعيش من دون قائد في آخر الزمان، كذلك الأرض لا تعيش من دون قائد في أول الزمان، ولا في وسط الزمان.. ما هو الفرق بين الآخر والأول والوسط؟.. ما دامت الضرورة قائمة على وجود سببٍ للفيض، بين الخالق والمخلوق(بيمنه رُزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض و السماء).. الإنسان عليه أن يعيش هذه القيادة، ويتحسس هذه القيادة، فعندما يخاطب ولي أمره، يكون خطاب المقود إلى القائد، خطاب الرعية إلى السائس(القائد الموجه)، خطاب المرؤوس إلى الرئيس.
43. إن كل حجة في كل عصرٍ، مظهرٌ لأسماء الله الحسنى.. فالولي البشري، هو مظهرٌ لصفات الولي الإلهي.. النبي (ص) والأئمة (ع) هؤلاء أولياء مخلوقون، هؤلاء مظاهر أسماء الله الحسنى.. هذا الولي الأرضي؛ إنما هو مظهرٌ للولي السماوي.. كما أن الله -عز وجل- رب ودود غفور، يرعى البشر.. كذلك الولي الأرضي، يرعى البشر بإذن الله -عز وجل-.. وعليه، فإن الإنسان الذي يعيش في زمن الغيبة، عليه أن يعقد صلة التربية مع إمام العصر (عج)
44. إن المؤمن يقترب من دائرة الجذب، أي في المدار الذي يجذبنا إلى صاحب الأمر (عج).. فالذي يحوم حول هذه النواة، يُرجى أن ينجذب يوماً ما، ليكون قريباً من نواة عالم الوجود.. أما الذي يبتعد عن طاعة الله -عز وجل-، والذي ينسى ولي أمره؛ هذا الإنسان ابتعد عن المدار.. وبالتالي، خرج عن دائرة الجذب المولوي المتمثل في صاحب الأمر (عج).. بالتقوى، وبالاستقامة يقترب الإنسان من دائرة الجذب هذه، ويستقر في ذلك المدار الذي لو وقع فيه الإنسان، لما أمكنه الخروج أبداً.. بل يزداد قرباً إلى أن يصبح لصيقاً بتلك الدائرة المقدسة، دائرة صاحب الأمر (عج)، والخلّص من أصحابه.
45. إن المؤمن يعلم أن أعماله تُعرض على صاحب الأمر (عج)، فهو(عين الله الناظرة، ويده الباسطة، وأذنه الواعية)..والذي يعيش هذه الرقابة، يعلم أن نتيجة الرقابة: إما النجاح، وإما السقوط.. فالذي يسقط في هذا الامتحان يُرفض من هذه الدائرة، ويبتعد عن دائرة الجذب.. والذي ينجح في الامتحان، يزداد قرباً من تلك الدائرة المباركة.
46. إن من وظائف المؤمن في زمن الغيبة، التثبت من أحاديث الظهور، أي عدم ربط قضايا الظهور ببعض التكهنات غير العلمية.. فهذا يسيء للمذهب، ويسيء للإمام (عج).. والقرآن الكريم أمرنا بالتثبت، وألا نتبع الظن.
47. إن المؤمن لا يتمنى اللقاء المجرد بإمامه (عج).. نعم، اللقاء بالإمام نقطة ممتازة، ولكن الأهم من ذلك أن يحدث تغييراً في حياته.. الإمام لا يريد منا إلا أن نكون عباداً لله –عز وجل- مراقبين، محاسبين، متبعين لشريعة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله).
48. إن المؤمن يواظب على قراءة زيارة آل ياسين؛ فهي من الزيارات المنسوبة إلى الإمام (عج) مباشرة، وقد أمر شيعته بقراءة هذا الدعاء.. لذا، علينا أن نتعود قراءة هذه الزيارة الجامعة التي قطعاً توجب عناية الإمام لمحبيه ولأنصاره.
49. إن الانتظار فرع الشوق: شوقاً إلى ذاته إذا كان عزيزاً عليك، أو شوقاً إلى مصالح إذا كنت تستفيد من ورائه.. إذن، الانتظار فرع الشوق، والشوق فرع المحبة، والمحبة تستلزم المسانخة والمتابعة.. القرآن الكريم في آية صريحة، يكذب المحب اللامتبع:﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي ليس زعماً، وليس ادعاءً، وليس بالقصائد الرنانة.. معنى ذلك: أن غير المتبع موصوفٌ بصفتين: الكذب في المحبة، وعدم حب الله له.
50. إن الإنسان الذي يريد أن يكون على مستوى محبته (عج)، لا يكتفي بمسألة ميل إلى الرؤيا واللقاء.. بل عليه أن يكون متبعاً لخطه، وذلك من خلال إتباع الرسالة العملية.. فالذي لا يقلد؛ هذا الإنسان بريء من صاحب الأمر (عج)، إذ كيف يحب إنساناً لا يتبع وكيله فيما أمر ونهى؟!.. والذي يقلد، ولا يتبع المُقلَد فيما يقول حلالاً وحراماً؛ أيضاً إنسان يشك في محبته لصاحب الأمر والزمان (عج)، إذ كيف يحبه وهو يقلد ولا يستفتي فقيهه!.. والذي يستفتي ولا يعمل بما يقول الفقيه في زمن الغيبة، هل يحب إمامه (عج)؟!.. هؤلاء حجج الله –عز وجل- على الناس، والفقيه هو الذي يتعب نفسه الشريفة في استنباط مسألة واحدة.. وطالما يقع فيما يقع من العنت والتعب، من أجل تيسير الأمور على الذين يريدون أن يعلموا رأي إمام زمانهم في هذا المجال.
51. إن المؤمن يحيي ذكر إمامه (عج).. فالإمام غائب عن الأبصار، حيث أن طبيعة زمان الغيبة تقتضي أن يكون مغيباً عن الأبصار.. وهذه الغيبة قد تورث الغفلة في القلوب؛ لأن طبيعة الغيبة تقتضي النسيان.. ولهذا نلاحظ بعض المؤمنين يعتقد به، ولكنه لا يكاد يذكره إلا نادراً.. فنحن نركز على الدعاء له في القنوت؛ كيلا ننسى.. حيث نجعل محطة يومية صباحاً ومساءً لتذكير أنفسنا به (عج)، واعتقادنا بأنه (عج) أشفق علينا من آبائنا، وأمهاتنا.
52. إن المؤمن يهتم بليلة النصف من شهر شعبان، لأنها ليلة مولده الشريف (عج).. ومن أهم وظائف تلك الليلة: أن يطلب الإنسان من الله -عز وجل- ببركة مولده: المعرفة، والإتباع، والمحبة: المعرفة بربه وبآبائه المعصومين، تلك المعرفة الواعية المحركة.. وتوفيق الإتباع.. والمحبة التي تتغلغل إلى أعماق النفوس.
53. إن المؤمن يعيش هاجس عدم رضا إمامه (عج) عنه.. في كل يوم اثنين وخميس تعرض الأعمال عليه، فيتألم عندما يرى ما لا يرضيه (عج).
54. إن المؤمن لا يقرأ دعاء الفرج لقلقة لسان، أو إسقاط تكليف.. حيث أن كل هذه الأزمات في مشارق الأرض ومغاربها، إنما ترتفع ببركة الدعاء بتعجيل الفرج.. فببركة دعاء المؤمنين قد يُعجل في فرجه ولو ليوم واحد.. يوم واحد، تحكم العدالة البشرية في الأرض جميعاً، ما قيمة ذلك اليوم عند الله عز وجل!.. وعلى فرض أن الدعاء لم يؤثر في تعجيل الفرج، ألا يكفي أن يرى الإمام محبيه مهتمين بهذا الأمر، داعين له؟!.. وهذا قطعاً من موجبات التفاتته والدعاء لهم.
55. إن الإمام (عج) في كل فرصة ومناسبة يدعو لنفسه ومحبيه.. وهذه حركة جميلة من المؤمن أن يكثر من الدعاء لنفسه ولغيره، وعلى رأس هذه الأدعية أن يطلب من الله -جل وعلا- التوفيق إلى طاعته.
56. إن الإمام (عج) مظهر للصفات الإلهية في الأرض، بمقدار ما تحتمله البشرية من صفات الربوبية، والمعصوم في كل عصر يمثل هذه الصفات.. كذلك المؤمن المنتظر، يتخلق بأخلاق الله عز وجل، بمستواه البشري.. فالله رحيم، وبالتالي، فإن على المؤمن أن يكون رحيماً بالناس.
57. إن المؤمن المنتظر، ليس من عشاق العبادة، وإنما من عشاق العبودية.. وهناك فرقٌ بين العبادة، وبين العبودية!..
58. إن الأرزاق المادية والمعنوية في عصر الغيبة يجريها الرازق على يدي وليه المنتظر (ع)، كما هو مقتضى النصوص المباركة.. وعليه، فإن الارتباط به (عج): عاطفة، وعقيدة، وسلوكاً؛ لمن موجبات مضاعفة تلك الأرزاق ومباركتها.. إذ أننا نعتقد أن رعايته (ع) للأمة كرعاية الشمس من وراء السحاب، ولا يعقل أن يهمل ولي الأمر وحجة العصر تلك النفوس المستعدة التي تطلب الكمال بلسان حالها أو مقالها، وما تحقق الفوز والفلاح في هذا المضمار -طوال زمان الغيبتين- إلا لمن أتى هذا الباب بصدق، وتوجه إلى ذلك الوجه بانقطاع.
59. إن من وظائفنا في زمان الغيبة؛ أن ندعو الناس إلى الله -سبحانهُ وتعالى- ونحببهم إليه.
60. إن المؤمن المنتظر، إنسان فاعل في الحياة؛ فهو يجمع بين التكليفين: واجبه تجاه ربه، وواجبه تجاه المجتمع.
يتبع ..
بارك الله فيكم و سدد خطاكم ببركة و سداد أهل البيت عليهم السلام