بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم يا كريم
التفكر:-
=====
التفكر هو إحضار معرفتين في النفس ليستثمر منهما معرفة ثالثة، ومثاله أن من مال إلى العاجلة وآثر الحياة الدنيا وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان أحدهما أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرد قوله وهذا يسمى تقليدا ولا يسمى معرفة والطريق الثاني أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار ثم يعرف أن الآخرة أبقى فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهي أن الآخرة أولى بالإيثار، ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكرا واعتبارا وتذكرا ونظرا وتأملا وتدبرا ( 1 ) .
الفرق بين التفكر والتذكر:-
===============
الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يعبر منهما إلى معرفة ثالثة فإن لم يقع العبور ولم يكن إلا الوقوف على المعرفتين فينطلق عليه اسم التذكر لا اسم الاعتبار، فأما التعلم والتفكر فيقع عليه من حيث أن فيه طلب معرفة ثالثة، فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا فكل متفكر فهو متذكر وليس كل متذكر متفكرا، وفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى فالمعرفة نتاج المعرفة فإذا حصلت معرفة وازدوجت مع معرفة أخرى حصل منها نتاج آخر وهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية وإنما ينسد طريق زيادة المعارف بالموت أو العوائق ( 2 ) .
الحث على التفكر في القرآن وروايات أهل البيت ( عليهم السلام ) :-
=====================================
ورد الحث الأكيد على التفكر في الكثير من الآيات القرآنية :-
كقوله تعالى:
" أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ " (الروم الآية: 8)
وقوله تعالى:
" الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " (آل عمران الآية: 191)
وقوله تعالى:
" أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ " (الأعراف الآية: 185)
وقوله تعالى:
" قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (العنكبوت الآية:20)
وقوله تعالى:
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ " (آل عمران الآية: 190)
وقوله تعالى:
" وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ " (الذاريات الآية: 20 ـ 21)
كما ورد الحث على التفكر في عدد من الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام فجعلوا التفكر عبادة بل جعلوها أفضل العبادات كما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوله "فكرة ساعة خير من عبادة سنة، ولا ينال منزلة التفكر إلاّ من قد خصه الله بنور المعرفة والتوحيد" ( 3 ) . وروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : " التفكر يدعو إلى البر والعمل به " ( 4 ) . كما روي عن الصادق (ع) : " أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته "( 5 ) .
أهمية التفكر في السمو الروحي:-
===================
إن سبب كون تفكر ساعة خير من عبادة سنة هو أن التفكر يولد المعرفة والمعرفة تولد اليقين واليقين حصن حصين يرفع عباد الله درجات ويوجههم في عبادتهم يعلمون ماذا يعبدون ولماذا يعبدون ولأجل ماذا يعبدون لا تغرهم الدنيا وزينتها وهو ما يشرح الحديث "إن العمل القليل على اليقين خير عند الله من العمل الكثير على غير يقين" .
عرفنا أن التفكر نتاجه المعرفة والمعرفة تفتح مدارك الإنسان وتوصله إلى الكمال وخير المعرفة معرفة الله تعالى ومعرفته تتم عن طريق التفكر في قدرته وصنعه وفي عجائب افعاله ومخلوقاته وغرائب آثاره ومبدعاته، لا التفكر في ذاته، لكونه ممنوعا عنه في الاخبار، ومعللا بأنه يورث الحيرة والدهشة واضطراب العقل، وقد ورد: "إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم ان تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه". وروي عن النبي (ص) انه قال : " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره " ( 6 ) .
ينقسم التفكر الذي سنركز عليه إلى ثلاثة أقسام حسب مادة التفكر :-
1. القرآن الكريم
2. سيرة أهل البيت عليهم السلام
3. خلق السموات والأرض
التفكر في القرآن الكريم:-
===============
عند المشاركة في الختمات القرآنية المهداة لأهل البيت عليهم السلام يقوم المنتسب / السالك باختيار الجزء حسب ما يرده ويستشعر به قلبياً أي دع قلبك يختار الجزء المناسب للقراءة في هذه الفترة ، وعند مباشرته للقراءة يفضل أن تكون التلاوة بصوت مسموع إذا كان يجيد التجويد ، فحسب التجربة يكون هذا الجزء المختار فيه آيات يحتاجها المنتسب / السالك في ذلك الوقت للاستزادة من طاقاتها أو للإجابة على بعض الأسئلة التي يحتاج إليها وهي الآيات التي يتوقف عندها المنتسب / السالك ويرددها مرتين أو ثلاث أو أكثر حتى يستوعب مفهوم الآية ويتفكر فيها كالتالي :
1. يقوم بفهم الآية قلبياً .
2. يحاول ربطها بحياته اليومية أو ما يشغل ذهنه أو حدث مرّ به .
3. يجمع المعرفتين السابقتين ليحصل على معرفة جديدة .
4. يستمر في القراءة إلى انتهاء الجزء .
5. يعمل بما تعلمه ويحمد الله تعالى الذي هداه بقول (الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَن هَدَانَا اللَّهُ) .
وقد يحدث العكس أيضا، كأن يمر المنتسب / السالك بتجربة فترد في خاطره آية، فيتفكر في الآية ويربطها بالتجربة الحياتية كي تتولد المعرفة الثالثة .
*ننوه إلى أهمية الصمت في الحياة اليومية لتحقيق الاستفادة المثلى من التفكر .
التفكر في سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) :-
==========================
1. يخصص المنتسب / السالك موعد محدد كل أسبوع أو نهاية الأسبوع لقراءة إحدى كتب السير (بحار الأنوار مثلا) أو يستمع إلى خطبة من الخطب الحسينية ويتوقف عند ما يلفت انتباهه من سيرتهم عليهم السلام ومواقفهم وتعاملهم مع من حولهم .
2. يربط بين ما لفت انتباهه من أفعالهم ( عليهم السلام ) وبين أفعاله التي يمر بها في حياته .
3. يجمع المعرفتين السابقتين ليحصل على معرفة جديدة .
4. يستخدم المعرفة الجديدة في أخلاقه اليومية وفي الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر .
والعكس أيضا قد يحدث هنا، أي أن يمر المنتسب / السالك بموقف فيتذكر ما قرأه أو سمعه من سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) . مثلا عندما ينتهي الإنسان من صلاته يشعر بالروحانية ويتسائل ما سبب هذه الروحانية اليوم فيتذكر بأنه لم يأكل كثيرا ، ولم يشبع بطنه ، ويربط هذا بأسلوب عيش أهل البيت ( عليهم السلام ) كيف كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يفطر على بضع تمرات وكيف كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يكتفي بالخبز اليابس فيدرك حينها أهمية الطعام القليل في روحانية الشخص وهي المعرفة الثالثة .
هذه المعرفة الجديدة تبدأ في الثبات في القلب متى ما عاشها المنتسب / السالك في حياته وعمل بها ومر وقرأ أكثر من تجربة تؤكد له ذلك ليصبح بعدها موقنا لا يشك بهذه المعرفة ولا يجعل للشيطان الرجيم عليه سبيلاً .
التفكر في خلق السموات والأرض:-
=====================
وهذا يتطلب الخروج إلى الطبيعة أو تحت السماء أو من خلال النافذة أو مطالعة الكتب العلمية التي تصف الطبيعة وخلق الأحياء الموجودة (كجسم الإنسان والحيوان والنمل والنحل والبحار والأشجار والجبال والشمس والقمر والنجوم والمجرات ..الخ ) فيتأمل هذه المخلوقات ودقة صنعها فتكون النتيجة هي الإنبهار بالإحكام والإبداع التي تم بها الخلق وهذا يوصلنا إلى الشعور بعظمة موجدها وقدرته وتقربنا أكثر من صفاته وأسمائة فتتولد معرفة جديدة في القلب نستفيد منها في حياتنا .
نسأل الله أن يجعلنا من المتفكرين ويقربنا منه إنه أرحم الراحمين .
----------------------------------------------
1- كتاب التفكر، المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء – ج8 – المولى الفيض الكاشاني قدس سره
2- كتاب التفكر، المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء – ج8 – المولى الفيض الكاشاني قدس سره
3- البحار ج 68 ص 326 .
4- الكافي ج 2 ص 55 .
5- الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 55 .
6- الخاطر المحمود والتفكر: جامع السعادات – ج1 - المولى محمد مهدي النراقي قدس سره